محمد بن جرير الطبري
310
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من جواز وضع الخطاب بالأَمر والنهي موضع لا تعبدون ؛ فكأنه قيل : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله ، وقولوا للناس حسنا . وهو نظير ما قدمنا البيان عنه من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكايات لما أخبرت عنه ، ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب ، وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب ثم تعود إلى الإِخبار على وجه الخبر عن الغائب لما في الحكاية من المعنيين ؛ كما قال الشاعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت يعني تقليت ، وأما " الحسن " فإن القراءة اختلفت في قراءته ، فقرأته عامة قراءة الكوفة غير عاصم : " وقولوا للناس حسنا " بفتح الحاء والسين . وقرأته عامة قراء المدينة : حُسْناً بضم الحاء وتسكين السين . وقد روي عن بعض القراء أنه كان يقرأ : " وقولوا للناس حسنى " على مثال " فعلى " . واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله : " حسنا " ، و " حسنا " . فقال بعض البصريين : هو على أحد وجهين : إما أن يكون يراد بالحسن الحسن ، وكلاهما لغة ، كما يقال : البخل والبخل . إما أن يكون جعل الحسن هو الحسن في التشبيه ، وذلك أن الحسن مصدر ، والحسن هو الشيء الحسن ، ويكون ذلك حينئذ كقولك : " إنما أنت أكل وشرب " ، وكما قال الشاعر : وخيل قد دلفت لها بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع فجعل التحية ضربا . وقال آخر : بل " الحسن " هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن ، " والحسن " هو البعض من معاني الحسن ، قال : ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحسن ، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه فقال : " وقولوا للناس حسنا " يعني بذلك بعض معاني الحسن . والذي قاله هذا القائل في معنى " الحسن " بضم الحاء وسكون السين غير بعيد من الصواب ، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به . وأما " الحسن " فإنه صفة وقعت لما وصف به ، وذلك يقع بخاص . وإذا كان الأَمر كذلك ، فالصواب من القراءة في قوله : " وقولوا للناس حسنا " لأَن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم : وقولوا للناس باستعمال الحسن من القول دون سائر معاني الحسن ، الذي يكون بغير القول ، وذلك نعت لخاص من معاني الحسن وهو القول . فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين ، على قراءته بضم الحاء وسكون السين . وأما الذي قرأ ذلك : " وقولوا للناس حسنى " فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإِسلام ، وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك خروجها من قراءة أهل الإِسلام لو لم يكن على خطئها شاهد غيره ، فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب ؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بفعلى وأفعل إلا بالأَلف واللام أو بالإِضافة ، لا يقال : جاءني أحسن حتى يقولوا الأَحسن ، ولا يقال أجمل حتى يقولوا الأَجمل ، وذلك أن الأَفعل والفعلي لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف ، كما تقول : بل أخوك الأَحسن ، وبل أختك الحسنى ، وغير جائز أن يقال : امرأة حسنى ، ورجل أحسن . وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل في هذه الآية أن يقولوه للناس ، فهو ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن